أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
493
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
تقدم من الدليل ، وهذه الأقوال دلائلها في غير هذا الكتاب ، وقد أوضحتها في كتابي « شرح التسهيل » . والقول الثاني : أنها بمعنى « مع » أي : مع المرافق ، وقد تقدّم الكلام في ذلك عند قوله : إِلى أَمْوالِكُمْ « 1 » . والمرافق : جمع « مرفق » بفتح الميم وكسر الفاء على الفصيح من اللغة ، وهو مفصل ما بين العضد والمعصم . قوله : بِرُؤُسِكُمْ في هذه الباء ثلاثة أوجه : أحدها : أنها للإلصاق أي : ألصقوا المسح برؤوسكم . قال الزمخشري : « المراد إلصاق المسح بالرأس ، وماسح بعضه ومستوعبه بالمسح كلاهما ملصق المسح برأسه » . قال الشيخ « 2 » : « وليس كما ذكر » يعني أنه لا يطلق على الماسح بعض رأسه أنه ملصق المسح برأسه وهذه مشاحّة لا طائل تحتها . والثاني : أنها زائدة ، كقوله : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ « 3 » ، وقوله : 1607 - . . . * . . . لا يقرأن بالسّور « 4 » وهو ظاهر كلام سيبويه « 5 » ، فإنه حكى : « خشّنت صدره وبصدره » و « مسحت رأسه وبرأسه » بمعنى واحد ، وقال الفراء : « تقول العرب : « خذ الخطام وبالخطام » و « هزّ به » ، و « خذ برأسه ورأسه » . والثالث : أنها للتبعيض كقوله : 1708 - شرين بماء البحر ثمّ ترفّعت * . . . « 6 » وهذا قول ضعيف ، وقد تقدّم القول في ذلك أول البسملة . قوله : وَأَرْجُلَكُمْ قرأ نافع وابن عامر والكسائي وحفص عن عاصم : « أَرْجُلَكُمْ » نصبا ، وباقي السبعة : وأرجلكم » جرا ، والحسن بن أبي الحسن : و « أرجلكم » رفعا ، فأمّا قراءة النصب ففيها تخريجان : أحدهما : أنها معطوفة على « أَيْدِيَكُمْ » فإنّ حكمها الغسل كالأوجه والأيدي ، كأنه قيل : « واغسلوا أرجلكم » . إلا أنّ هذا التخريج أفسده بعضهم بأنه يلزم منه الفصل بين المتعاطفين بجملة غير اعتراضية لأنها منشئة حكما جديدا فليس فيها تأكيد للأول . وقال ابن عصفور - وقد ذكر الفصل بين المتعاطفين - : « وأقبح ما يكون ذلك بالجمل » فدل قوله على أنه لا يجوز تخريج الآية على ذلك . وقال أبو البقاء عكس هذا فقال : « هو معطوف على الوجوه » ، ثم قال : « وذلك جائز في العربية بلا خلاف » ، وجعل السنية الواردة بغسل الرجلين مقوية لهذا التخريج ، وليس بشيء ، فإنّ القائل أن يقول : يجوز أن يكون النصب على محلّ المجرور وكان حكمها المسح ولكنه نسخ ذلك بالسنّة ، وهو قول مشهور للعلماء . والثاني : أنه منصوب عطفا على محل المجرور قبله ، كما تقدّم تقريره قبل ذلك .
--> ( 1 ) سورة النساء ، الآية ( 2 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 436 ) . ( 3 ) سورة البقرة ، الآية ( 195 ) . ( 4 ) تقدم . ( 5 ) انظر الكتاب ( 1 / 37 ) . ( 6 ) تقدم .